اليوم، قررتُ أن أكون محترمًا. ليس عن قناعة أخلاقية.
بل لأنني اكتشفت، متأخرًا، أنني الإنسان الوحيد الذي لا يعرف معنى كلمة «محترم».
الجميع يعرفها. السيدات المحترمات يعرفنها. السادة المحترمون يعرفونها. الشرطة المحترمة تعرفها. النيابة المحترمة تعرفها. حتى صديقي محمود المحترم يعرفها.
أما أنا... فلا.
اكتشفت ذلك عند مخرج محطة المترو.
كانت أمامي سيدةٌ محترمة، تسبقني بخطوتين، وكان محمود يدفعني قسرًا للأمام بسبب الزحام.
فجأة توقفت السيدة والتفتت، فوجدت نفسي، دون موعدٍ سابق، في حضنها.
صرخت: ـ خليك محترم يا أستاذ.
ارتبكت.
فالحقيقة أنني كنت أسير بطريقةٍ محترمة.
صحيح أن عيني تركزت على مؤخرتها، لكن ذلك ــ في حدود علمي ــ تصرفٌ بصريٌّ عفوي. ثم إنني لم أكن الوحيد؛ فللأمانة، السيدة تملك مؤخرةً لافتةً محترمة.
لم أجد وقتًا لأشرح وجهة نظري.
تراجعت خطوة، فاصطدمت بصدر سيدٍ محترم، أخذني تحت إبطه، وأخذ يصفعني باحترامٍ شديد حتى أصاب أذني طنينٌ محترم.
نظر محمود إلى حجمه، ثم قرر المشاهدة دون تدخل، في فعل حضاري محترم.
وفي اللحظة نفسها، تولّت سيدةٌ محترمة أخرى نقل الواقعة في بثٍ مباشر، بينما أوقف سائق توك توك محترم مركبته، وأخرج مفكًا طويلًا، وهو يقسم أنه سيعلمني الاحترام.
لحسن الحظ... لم يجد الوقت الكافي ليفعل.
أنقذتني العناية الإلهية، ويدُ شرطيٍّ يقظ، لأجد نفسي في القسم، محشورًا خلف حاجزٍ زجاجي.
نزعوا حزامي، وأخذوا هاتفي، وسلمت السجائر والولاعة، ثم احترمت دوري وجلست.
المكان كله محترم. الزنزانة كانت تبدو أكثر احترامًا من بعض الشقق المفروشة.
الآن سيبدأ القانون المحترم عمله. سيسمع منها أولًا، ثم يسمع مني، ثم يقارن بين الروايتين، ثم يقرر أيُّنا أقل احترامًا.
استمع الشرطي إلى السيدة، ودوَّن أقوالها. هز الضابط رأسه باحترام. انصرفت السيدة.
جلستُ أستعد للكلام.
مرّت عشر دقائق. ثم عشرون. ثم ساعة.
كلما دخل مواطنٌ محترم، خرج أكثر احترامًا مما دخل.
بدأت أقلق.
ليس لأنني متهم...
بل لأن أحدًا لم يكن مهتمًا بأن يعرف ماذا فعلت.
ثم ناداني أمين الشرطة.
ناولني المحضر وقال: ـ وقّع هنا.
قلت: ـ طب... وأقوالي؟
نظر إليّ باستغراب، كأنني أطلب الاطلاع على أسرار الدولة.
ثم قال، بمنتهى الاحترام: ـ مالها أقوالك؟
قلت: ـ يعني... مش هتسمعوها؟
ابتسم ابتسامةً محترمة، وأشار لي نحو مخبر له كف محترم، ودفع المحضر نحوي مرةً أخرى.
عندها فهمتُ أن أقوالي ليست ناقصة... بل زائدة عن الحاجة.
وقعت.
وكان ذلك أول تصرّفٍ محترم أقوم به طوال اليوم.
نزلت إلى الحجز، فوجدت مجموعةً من السادة الأفاضل المحترمين.
كانوا يودّعون تاجر مخدراتٍ محترمًا، وبحفاوة، يستقبلون لصَّ أحذيةٍ محترمًا.
رحبوا بي في البداية، وسألني أحدهم: ـ خير يا محترم... جاي في إيه؟
قلت: ـ تحرش.
ساد صمتٌ قصير.
ثم تغيّرت الوجوه.
أخذ كل واحدٍ منهم مسافةً صغيرةً بعيدًا عني.
قال لص الأحذية: ـ مش محترم.
وأعاد بلطجيٌّ محترم ترتيب الجلسة، حتى لا تلامس ركبته ركبتي.
ثم بدأوا ينادونني: ـ يا متحرش...
ثم أخذوا يتعرفون عليَّ بطريقتهم المهذبة المحترمة.
وصار كلما مرَّ أحدهم بجواري، تحسَّسني في لفتةٍ محترمة.
حاولت أن أشرح لهم أن القضية ما زالت في مرحلة الاتهام، وأنني، قانونًا، بريء حتى تثبت إدانتي.
فشلت.
عُرضت على النيابة.
وجدت السيدة المحترمة.
وبجوارها السيد المحترم.
اكتشفت أنهما زوجان.
وكان صديقي محمود يقف معهما يتحدث في هدوء، ويهز رأسه.
دخلت على السيد وكيل النيابة.
رفع رأسه، وتأملني قليلًا.
ثم قال: ـ إنت شكلك مش محترم.
نظرت إلى نفسي.
تذكرت أنهم أخذوا حزامي في القسم، وأنني أمسك البنطلون بيدي منذ ساعات حتى لا يسقط.
قلت: ـ تبنى الأحكام على الشكل المحترم؟
رفع بصره، وأخرسني.
ولم يسألني شيئًا بعدها.
تصفح المحضر.
استدعى السيدة وزوجها.
سألها:
ـ دي أول مرة؟
قالت:
ـ أيوه.
هز رأسه.
ظل يقلب الأوراق.
صرفهما للخارج، وأوقفني على رجل واحدة.
وعاد يكتب.
بعد قليل طلب توقيعي.
أخذه.
ضغط على الجرس.
خرجت.
كان محمود لا يزال يقف مع السيدة المحترمة وزوجها السيد المحترم في ركنٍ هادئ من الممر.
كان يتحدث إليهما بصوتٍ منخفض، بينما كانا يهزان رأسيهما في رضا محترم.
كلما اقتربت، أشار لي محمود بالتوقف، وجذبني الشرطي إلى الخلف.
وقفت.
فأنا، أصلًا، لم أكن محترمًا بما يكفي للمشاركة في الحديث.
بعد دقائق، عاد محمود.
قلت: ـ خير؟
قال: ـ خير إن شاء الله. أقنعت السيدة المحترمة أن التسامح من شيم المحترمين.
وأضاف: ـ وأقنعت زوجها السيد المحترم أن كرامة الأسرة المحترمة لا تزيدها المحاكم احترامًا.
قلت: ـ ووافقوا؟
قال: ـ وافقوا.
تنفست الصعداء.
لكنه قال: ـ مقابل مبلغٍ محترم.
قلت: ـ ولو ما دفعتش؟
قال: ـ هتدخل السجن.
دفعت.
بعد يومين اتصلت بمحمود.
قلت: ـ محمود... قررت أبقى محترم.
قال، دون أن يفكر: ـ علشان تبقى محترم، لازم تبقى بني آدم الأول.
شعرت بالإهانة.
أغلقت الهاتف.
فأنا أريد أن أكون محترمًا، ولم أطمح أبدًا لأن أكون بني آدم.
-------------------------
بقلم: محمد رحيم






